محمد بن جرير الطبري
406
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
سلطانه ، وغاره على ما في يده ، والكريم يأكل لحمه ويمنعه غيره ، فاعرف لعبد الله حق والده واخوته ، ولا تجبهه بالكلام ، فإنك لست نظيره ، ولا تقتسره اقتسار العبيد ، ولا ترهقه بقيد ولا غل ، ولا تمنع منه جاريه ولا خادما ، ولا تعنف عليه في السير ، ولا تساوه في المسير ، ولا تركب قبله ، ولا تستقل على دابتك حتى تأخذ بركابه ، وان شتمك فاحتمل منه ، وان سفه عليك فلا تراده ثم دفعت اليه قيدا من فضه ، وقالت : ان صار في يدك فقيده بهذا القيد فقال لها : سأقبل امرك ، واعمل في ذلك بطاعتك . واظهر محمد خلع المأمون ، وبايع لابنيه - في جميع الآفاق الا خراسان - موسى وعبد الله ، واعطى عند بيعتهما بني هاشم والقواد والجند الأموال والجوائز ، وسمى موسى الناطق بالحق ، وسمى عبد الله القائم بالحق ثم خرج علي بن عيسى لسبع ليال خلون من شعبان سنه خمس وتسعين ومائه من بغداد حتى عسكر بالنهروان ، وخرج معه يشيعه محمد ، وركب القواد والجنود ، وحشرت الأسواق ، واشخص معه الصناع والفعلة ، فيقال : ان عسكره كان فرسخا بفسطاطيه وأهبته واثقاله ، فذكر بعض أهل بغداد انهم لم يروا عسكرا كان أكثر رجالا ، وافره كراعا ، واظهر سلاحا ، وأتم عده ، وأكمل هيئة ، من عسكره . وذكر عمرو بن سعيد ان محمدا لما جاز باب خراسان نزل على فترجل ، واقبل يوصيه ، فقال : امنع جندك من العبث بالرعية والغارة على أهل القرى وقطع الشجر وانتهاك النساء ، وول الري يحيى بن علي ، واضمم اليه جندا كثيفا ، ومره ليدفع إلى جنده أرزاقهم مما يجبى من خراجها ، وول كل كوره ترحل عنها رجلا من أصحابك ، ومن خرج إليك من جند أهل خراسان ووجوهها فأظهر إكرامه وأحسن جائزته ، ولا تعاقب أخا بأخيه ، وضع عن أهل خراسان ربع الخراج ، ولا تؤمن أحدا رماك بسهم ، أو طعن في أصحابك برمح ، ولا تأذن لعبد الله في المقام أكثر من ثلاثة من اليوم الذي تظهر فيه عليه ، فإذا أشخصته فليكن مع أوثق أصحابك عندك ، فان غره الشيطان فناصبك